سوق البدو في بئر السبع ( سوق البرين )

سوق البدو في بئر السبع ( سوق البرين ) (1)

   

كان يقام في مدينة بئر السبع كل يوم خميس من كل اسبوع سوقاً تجارياً ينعقد مدة يوم واحد وقد خصصت له البلدية مكانا في الهواء الطلق، ويقع شمال شرق المدينة قرب طريق الخليل على مساحة عشرة دونمات من الارض، وهو محاط بالاسلاك الشائكة، وكان يرتاده عدد كبير من البدو والحضر أيضاً؛ وذلك لبيع ما يحضروه من منتوجاتهم الزراعية ومواشيهم كالإبل والأغنام ومنتوجاتها كالسمن واللبن الجميد ( المريس )، وفواكه كالبطيخ والشمام والتين والصبر وغيرها، وكانت تعرض فيه أيضاً أدوات الكيف كالقهوة والهيل والنجر والمحماس والدلة، أيضاً تعرض فيه الملابس كالعبي والفري … وغيرها.

ولما كانت المسافة بعيده بين مكان سكن مرتادي السوق، ونظراً لاضطرار البعض للمبيت ليلة الخميس قرب السوق، فقد ارتأى المستثمرون إنشاء أحواش ( تتضمن غرف للنوم وأمامها ساحة كبيره للبهائم)، بغرض تأجيرها للقادمين من أجل المبيت هم ودوابهم،  ومن أهم الأحواش كان حوش الفار نسبة لصاحبه، وكان البدو في السوق يقوموا بالبيع والشراء، لأنه يحتوي على كثير من احتياجاتهم، وكذلك هو المكان المناسب لعرض وبيع منتجاتهم، وكان يرتاده الناس من أماكن بعيده حتى بدو شمال غرب السعودية، وبدو شرق الأردن، وبدو سيناء، وبدو أواسط فلسطين كالفالوجه وغزة وقراها، وكذلك بدو جنوب الأردن ( حويطات وبني عطية وسعيدين وحوصا وغيرهم ) (2)  .

أذكر أن من أهم تجار الإبل المرحوم عويضة أبو غليون، والمرحوم حماد أبو خيشة أبو يحيى، وآخرين لم تسعفني الذاكرة على ذكر أسمائهم، وكذلك أذكر من أهم تجار المدينة المرحومين أبي هنية، واسكيك والخضري، والحلبي، والهليس، وكان أحد سكان مدينة بئر السبع، يدعى عودة يقوم طلباً للرزق بعمل مطعم متنقل داخل السوق، وكان يجيد عمل الفلافل حتى سُميت باسمه (فلافل عودة) .

وأذكر أن السيوف والشباري، كانت تباع في السوق، وكان هناك صانع للسيوف يسمى أبو عاشور، وسيفه يسمى (عاشوري)، إلا أن سيوف أبو عاشور لم تكسب رواجاً لعدم اتقأنه لصنعها، وكان هناك سيفاً متقن الصنع ومرغوب من صنع الهند يسمى (قديمي)، حيث كان هذا السيف مصنوعاً من الحديد الصلب، وكان بعض الناس ترصع سيوفها بالفضة بحيث يصبح أعجوبة في ذلك الزمان، وكان الترصيع يكلف أكثر من مائة جنية فلسطيني، وكانت تباع في السوق أيضاً عصي الخيزران، وكان عليها طلب لأن البدوي يحتاجها عندما يمتطي الفرس، أوالجمل، ويتباهى بها وهو راكب، حيث تقوم عصا الخيزران بدور المقود والكوابح للسيارة في هذه الأيام، ولحث الناقة او الفرس على السرعة .

وكان للنساء حضور في هذا السوق أيضاً، حيث يقمن بشراء وبيع ما يحتاجنه مما يخصهن من أدوات التطريز والحياكه وصبغ الغزل وادوات النسيج ( الكرداس ، والمدوي ، والمنساج ) وكان يباع فيه مشغولات النساء مثل ( الغفرة ، والخرج ، والشقة ، والرواق ، والساحة ، والبساط …) 

وعلى هامش الحديث عن سوق البرين كانت منطقة بئر السبع هي وجهة الناس من الأماكن البعيدة في أيام القحط، ويذكر أنه قبل مئة وخمسين عام تقريباً قدم من منطقة ضبا على الساحل شمال غرب السعودية شيخ من شيوخ تلك المنطقة، وهو من عشائر الحويطات يقال له أبو طقيقة، ومعه إثنا عشر بعيراً، حتى يكتال القمح من جنوب فلسطين، حيث وصل إلى الشيخ حماد الصوفي شيخ عشائر الترابين، وبعد أن قدم له الصوفي واجب الضيافة طلب الشيخ أبو طقيقة المكيله منه، إلا أن الشيخ حماد إعتذر له لعدم توفر الكمية لديه، وأشار عليه أن يذهب إلى أبو غليون، إذ لربما لديه طلبه، وتذكر الروايات أن الشيخ أبو طقيقة حل ضيفا على شيخ الجراوين في تلك الايام الشيخ سلامة أبو غليون، وبعد أن قدّم له واجب الضيافة عرض الشيخ أبو طقيقة طلبه، وبعد أن تم تجهيز الأحمال ولدى احتساب القيمة تبين أن نقود الشيخ أبو طقيقة لا تكفي، الأمر الذي عرض عبداً كان معه  يسمى سعيد كجزء من الثمن، ويذكر أن الشيخ أبو طقيقة عاد بعد حين ومعه مبلغ من المال، وذلك لاستعادة العبد سعيد، إلا أن الشيخ سلامة أبو غليون خيّر العبد ما بينه وبين العودة لموطنة، حيث رفض العبد سعيد العودة، فما كان إلا أن اعتذر للشيخ أبو طقيقة، وعلى أثر ذلك اعتق الشيخ سلامة أبو غليون العبد سعيد، واقطعه ارضاً وزوجة وانتسب للعشيرة وبقي معهم، ومن احفاده سعيد أبو مبارك وجمعة وغيرهم .

اختم بالقول بأنني كتبت هذا من خلال إطلاعي ومعرفتي، لأنني عاصرت الأحداث في تلك الحقبه من الزمان، والمعذره عن السهو والنسيان، وبعض الأمور التي فاتتني لأن عمري كان وقتها بحدود خمسة عشر عاماً، وكتبت مفصلاً للاحداث لأنني من عام 1944م، كنت طالباً في القسم الداخلي في مدرسة بئر السبع الثانوية، ومكثت في المدرسة حتى عام النكبة 1948م، وكنت أتردد على السوق باستمرار. 


1- باب مخطوطات من ذاكرة الأباء، عطية علي أبو غليون، ضابط العشائر سابقاً، قيادة البادية الأردنية ، ولد عام ،1932 درس في مدرسة أبو غليون لغاية 1943، ثم درس في مدرسة بئر السبع الثانوية، الجناج الداخلي، من عام 1944 ولغاية النكبة ،وسقوط مدينة بئر السبع في أيدي الصهاينة في تشرين ثاني 1948

2- من المذكرات الخطية، الحاج عطية علي أبو غليون تاريخ: 4/5/2013م.