عشيرة أبو غليون والتعليم
مدرسة بئر السبع
يروي الحاج عطية علي أبوغليون: كما أشرت في موقع آخر من مذكراتي أنني درست في مدينة بئر السبع مدة 4 سنوات، أي من عام 1944 م ولحين النكبة عام 1948 وعليه فإنني أكتب مما تسعفني الذاكرة به وأرجو المعذرة عن الخطأ او النسيان خاصه أنني أكتب الآن بعد أكثر من 70 سنة عن مغادرة الوطن ، الخلاصه أعتقد أن المدرسة لم تكن أيام العهد العثماني، إذ لربما أنها تكون قد أسست في عهد الانتداب البريطاني، حيث كانت المدرسة تعنى بأبناء مدينة بئر السبع، وأضيف لها بجهود من مشايخ السبع جناح داخلي لأبناء البدو القاطنين خارج وبعيد عن المدينة .
وبناء على ما سبق تم تأسيس جناح داخلي ( ليلي ) لأبناء البدو حيث يؤمن لهم المنامة والطعام والدراسة ، وأذكر أن غرف النوم كانت ملاصقه لبناء المدرسة المكون من غرف صفيه كثيرة لا أذكر عددها، إنما أذكر أن المدرسة فيها 12 معلماً، اضافة الى المدير، أما المطعم المخصص لأبناء البدو، فكان بناء صغير يبعد امتاراً عن المدرسة، وكان يعمل فيه طباخ اسمه (شِنين) حيث يجهز لنا ثلاث وجبات يوميا تقدم فقط لأبناء البدو ، وأذكر أن الدوام يبدأ صباحاً إلى ما بعد الظهر، حيث ينتهي الدوام لجميع الطلبة (حضر وبدو) ثم يذهب بعدها أبناء البدو للمطعم لتناول وجبة الغداء، وكان لكل طالب من أبناء البدو رقم وكان رقمي 73 .
كما أن أبناء البدو كانوا يذهبون الى الغرف الصفية مرة أخرى في دروس تقويه في المساء، حيث كانت تنار الغرف بالفوانيس ، وأذكر أن لكل طالب من ابناء البدو خزانة صغيرة يضع فيها أغراضه وملابسه ، وأذكر أنه كان يشترط للموافقه على قبول الطالب في المدرسة ان يكون معه عباءة وعقال ومنديل ، أما الدوام، فيكون بلباس آخر وهو بنطال قصير ( شورت ) وقميص، وذلك لجميع الطلبة سواء كانوا بدواً أو حضراً علماً أن العباءة والمنديل تلبس بعد انتهاء الدوام أو عند الذهاب للأهل في نهاية الاسبوع . وأذكر أنه كانت هناك ساحة كبيرة للمدرسة، وكان يعتني بها معلم الزراعة اسمه خلوصي خيال ( من غزة ) حيث قام بزراعة أشجار فاكهة، منها الجوافة، وأذكر أن معلم التربية الإسلامية واسمه فوزي السقا كان يأخذنا أحياناً إلى مسجد بئر السبع الذي يبعد نحو 250 متراً تقريباً للصلاة فيه وكان المسجد يقع شمال شرق المدرسة بالقرب من طريق غزة التي كانت معبده. كما أن الشوارع المحيطة بالمدرسة وهي قريبه من السرايا ( مجمع الدوائر الحكومية ) التي يتواجد فيها الحكام الإداريين من عرب وإنجليز كانت تضاء بالفوانيس، إذ لم يكن في مدينة بئر السبع في تلك الفتره كهرباءً، واذكر أن موظف من البلدية يحضر في المساء ويقوم بإشعال الفوانيس المثبتة على أعمده في الشوارع للإنارة وذلك بعد تفقدها وتعبئتها بالكاز ، وأذكر أنه كانت هناك مقبرة للإنجليز قريبه من المدرسة ويوجد بها أزهار وورود ومسيجه ولها حارس من العرب، وأذكر أنه في عام 1945 م عمل الإنجليز مهرجان دراجات نارية تضمن القيام بالعاب بهلوانية، وذلك احتفاء بانتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية .
مكتبة شريف مصطفى الحلبي
أذكر أنه كانت هناك مكتبة قريبه من المدرسة، وكانت تقوم ببيع القرطاسية ومستلزمات الطلبه من الأوراق والأقلام والدفاتر …الخ وهي المكتبة الوحيدة في بئر السبع، حيث كانت توفر المستلزمات وذلك للمدينة ولمن حولها من أبناء البدو وصولاً إلى رفح ، وأذكر أنها كانت كبيرة ومتخصصة فقط بالقرطاسية والكتب ومستلزمات الطلبة، وأذكر أن صاحبها هو شقيق معلم الرياضيات في مدرسة بئر السبع صبري مصطفى الحلبي .
العشيرة والتعليم
لا شك أن آخر العهد التركي كان عهد جهل وظلام، إذ لم تهتم تركيا بالتعليم، بل حاولت إبقاء الوطن العربي في سبات الجهل , وحاولت عزل العالم الإسلامي عن أوروبا التي بدأت فيها بوادر النهضة العلمية، وبهذا العلم ساد الغرب العالم، والمؤسف أن أول أية نزلت على نبينا الكريم “أقرأ” وكذلك بالفطرة يسعى الإنسان نحو الأفضل، إن محاولات الحصول على المعرفة وسلوك طريق العلم كانت في مقدمة الأولويات لدى عشيرة أبو غليون في البحث عن المعرفة والعلم في البادية الفلسطينية, فقد كانت من أوائل العشائر التي أنشأت المدارس وبذلت المال لاستقدام المدرسين في سبيل تعليم أبناء العشيرة، ولكم تصور حجم الاهتمام بهذا الموضوع من مجمل ما كان متاحاً لقضاء بئر السبع برمته، ويستدل على ذلك ما أورده مصطفى مراد الدباغ عن التعليم في فلسطين في عهد الانتداب البريطاني بالجدول المبين أدناه:
| عدد المدارس | عدد الطلاب | عدد المعلمين |
في 1،7،1932 | 8 | 196 | 8 |
في 1،7،1938 | 5 | 216 | 5 |
في 1،1،1948 | 26 | 1.390 | 29 |
ويضيف المؤرخ مصطفى مراد الدباغ عن التعليم في فلسطين في عهد الانتداب البريطاني بأنه كان من ضمن هذه المدارس 15 مدرسة على حساب القبائل ضمت 667 تلميذاً، وعدد معلميهم 15 معلماً تدفع القبائل رواتبهم. وقد بلغ مجموع ما صرفته القبائل خلال العام الدراسي 1946 على تعليم أولادها في مدارس القضاء بقسميها 8.076 جنيهاً فلسطينياً، وهذا مبلغ كبير بالنسبة إلى تلك الأيام، وبالنسبة إلى حالة البدو المالية. وجدير بالذكر أن رغبة القبائل في تعليم أولادها قد فاقت حد الوصف، فإن عدد الذين تقدموا إلى المدارس في عام 1947-1948 ولم تتمكن من استيعابهم كان كبيراً. كما قام معلمو مدارس القبائل خلال عام 1947 بإحصاء عدد الملمين بالقراءة والكتابة بين البدو فبلغ 2.720 رجلاً، أي بنسبة نحو 3% من مجموع السكان. وتقضي الملاحظة بأن نذكر أن الأكثرية الساحقة هم أولئك الذين أتموا دراستهم في مدارس القبائل التي لا يزيد مستواها العلمي عن الرابع الابتدائي.
مراحل التعليم عند عشيرة أبو غليون
1 – المدارس
أ- مدرسة أبو غليون الأولى
تأسست مدرسة أبوغليون الأولى في بداية القرن العشرين أي في سنة 1902م، وذلك على قطعة أرض مقدمة من الحاج رفيع أبو غليون (1) مساحتها 10 دونمات تقريباً في خربة أبو غليون نحو 20 كم إلى الغرب من مدينة السبع ( خربة الخسيف “على مسيرة “) وكانت مشيكة ومن حولها أشجار فلفل وفي أقصاها بئر جمع ( هرابه ) (2) وكان بناؤها من الحجر والطين في البدايه، واستقدم لها مُعلم من صعيد مصر هو الشيخ الفاضل إبراهيم محمود العقاد (3)، وكان له الفضل في تعليم أجيال من طلاب الجراوين وجيرانهم من الترابين والعزازمة الذين أصبحوا لاحقاً من شيوخ ووجهاء المنطقة (4) ، وكثيراً ما كانت فتاوى وآراء وأفكار الشيخ تترد من أفواه تلاميذه بذكرهم قال الشيخ العقاد كذا وكذا ، وأفتانا الشيخ العقاد كذا وكذا) .
في عام 1927 قامت حكومة الانتداب البريطاني بتحويل مدرسة أبو غليون الأولى إلى مدرسة حكومية (5) حيث زادت الغرف الصفية إلى خمس غرف مزودة بمقاعد من الخشب وطاولات لاستعمال المعلمين وألواح من الخشب يكتب عليها بحجر الحثان ( وهو حجر جيري يشبه الطباشير المستعملة اليوم )، وفيها معلمان على حساب الحكومة وبلغ عدد طلابها ( 125 طالباً )، حيث كانت هذه المدرسة مناره وقبلة لأبناء العشيرة ومن جاورهم من العشائر والقبائل، واستمرت هذه المدرسة في تأدية رسالتها إلى عام 1948م عندما حلت النكبة حيث قامت عصابات الهجانا الإسرائيلية بنسف المدرسة وكلَّ مَعْلَمٍ يربط الإنسان بالأرض.
ب- مدرسة أبو غليون الثانية : تقع هذه المدرسة في موقع يعرف باسم (كوز صليب)؛ وهو على مسافة (7) كم شرقي مدرسة المعين أبو ستة. تأسست عام 1947، بلغ عدد طلابها (56) طالباً يوزعون على ثلاثة صفوف يعلمهم معلم واحد على حساب القبيلة.
2- الكتاتيب
في عام 1948م حلت النكبة و انتهى الأمر بالهجرة إلى شرق الأردن , وعلى الرغم من ظروف المعيشة والحياه الصعبة للناس في تلك الحقبة إلا أن مسيرة العلم عند العشيرة لم تنتهي إذ تحول المسار إلى التعليم غير المنظم , فقد تولى نخبة من رجال العشيرة ممن سبق لهم وأن تعلموا في مدارس العشيرة المشار إليها سابقاً في تحفيظ وتعليم الأطفال للقران الكريم والقراءة والكتابة ومبادئ الحساب وحسن الأخلاق, وكان منهم عوده هويمل جراد أبو غليون ومحمود سالم غيث أبو غليون وإسماعيل حسن سليمان أبو غليون و موسى عيد أبوعويضة, ويذكر المرحوم موسى عيد أبوعويضة بقوله ( كنا نعلم الأطفال القرآن الكريم فنبدأ من سورة الفاتحة إلى سورة الناس , وبعد الثلث الثاني من القرآن يستطيع الطفل أن يقرأ دون تلعثم ودون أخطاء ) , وقال أيضاً: (كنا نعلمهم أيضاً الحساب وبالأخص جداول الضرب ، وأمور الدين ) ( 8)، وكان بعضهم يخصص رفه من بيته كغرفة صفية أو خيمه بعامود واحد , وكانوا يستوفون أتعاب رمزية إما دراهم معدودة أوعينية من بيض أو مريس أو سمن وما شابه .. إلخ ، وكثيرا ما كانوا يعتمدون على الضرب المبرح والنسخ للعقاب ، وكان الطلبه يمتازون بحسن الخط ويستطيعوا تعلم مبادئ القراءة والكتابة خلال اشهر قليله ، وظل هؤلاء الرجال يؤدون واجبهم نحو أبناء العشيرة إلى منتصف الستينيات من القرن الماضي، إذ انتشرت بعدها المدارس الحكومية .
١- كتاب عشائر الجراوين أنسابهم وتراثهم، محمد علي أبو غليون، صفحة 173 (رقم الإيداع 3724،12،2007 رقم التصنيف 929،2 ).
٢- وصف المدرسة من قبل الحاج عطيه علي رفيع أبو غليون والمرحوم أحمد عطوة العرج أبو غليون .
٣- الشيخ إبراهيم محمود العقاد : شقيق الأديب والكاتب المصري المعروف عباس محمود العقاد، ويذكر أن الشيخ إبراهيم نقل نقلاً فنياً من قبل حكومة الانتداب البريطاني من صعيد مصر إلى بادية فلسطين، وقد درّس الشيخ إبراهيم العقاد نحو 30 سنة، ولما مرض وتقدم به السن انتقل بضيافة الحاج رفيع أبو غليون وبقي مقيم في مضافته ( رفة الشق ) إلى أن حضر أقرباؤه من الصعيد وأخذوه معهم وعلمنا أنه توفي في السنة التالية وكان ذلك سنة 1936 على الأرجح .
٤- العشائر الأردنية بين الماضي والحاضر ، نسيم محمد العكش ، 2565- 929 صفحة 220 ( كان ممن تتلمذ على يديه : جبر مسلم أبو سريحان ، سلامة رفيع أبو غليون، سلمان مسلم أبو سريحان ، عودة سويلم أبو سريحان ، قاسم منصور أبو صعيليك ، سلامه غيث أبو غليون، عابد مرزوق أبو سبيتان ، غانم سالم أبو غانم ، حماد سليمان غيث أبو غليون ، محمود سالم غيث أبو غليون، سلمان جراد أبو غليون ، الصانع ، حماد سلام حماد أبو غليون ، عوده سليم حماد أبو غليون ، سلمان حامد أبو غليون ، عيد شريقي أبو صعيليك ، سليمان منصور أبو صعيليك ، حماد مريزيق أبو صعيليك ، محمد أبو راس ، حسن سليمان غيث أبو غليون ، عبد الله سليمان غيث أبو غليون، حسين شريقي أبو صعيليك ، عيد حجاج أبو صعيليك ، ضيف الله مرزق أبو صعيليك ، محمود مرزوق أبوسبيتان، منصور سليمان أبوسبيتان، د. عطية أبو سريحان ، حمدان رفيع أبو غليون ، سالم جراد أبو غليون ، حسن سويعد أبو غليون ، عطية علي أبو غليون ، عودة هويمل أبو غليون ، عودة محمد حمير أبو غليون … إلخ. )
٥- موسوعة بلادنا فلسطين ، مصطفى مراد الدباغ ، صفحة 427 .